الحكيم الترمذي
69
أدب النفس
وكان أول فارس استشهد ، فبلغ أمه ، فجاءت إلى رسول اللّه ، صلّى اللّه عليه وسلم ، فقالت : يا رسول اللّه ، أخبرني عن ابني ، إن يك في الجنة لم أبك عليه ولم أحزن ، وإن يك غير ذلك بكيت عليه ما عشت . قال : « يا أم الحارث ، إنها ليست جنة ، ولكن جنة في جنان ، والحارث في الفردوس الأعلى » ، فرجعت وهي تضحك وتقول : بخ بخ لك يا حارثة . أفلا ترى أنه لما راض نفسه بأن قال : عزفت نفسي عن لذات الدنيا وشهواتها ، فكأني أنظر إلى عرش ربى ، فصارت الأمور الغائبة عنده معاينة ، فعمل على الحقائق وذهب الجهل ؛ لأنه من نصب وتعب ، وعمل على المعاينة ، زال الجهل عنه ، ومن عمل على غير المعاينة فهو في جهد عظيم ، ومخاطرة عظيمة من قبل نفسه ، إلا من عصم اللّه تعالى ؛ لأنه كالسائر في الظلمة ، أحيانا يمشى ، وأحيانا تنهشه حية ، أو تلدغه عقرب ، لا يبصر أين يضع قدمه ، فهذه مخاطرة . وأما جهده ثقل نفسه ، فإنما ثقل أنه لم يعاين ما ثمرة هذه الأمور ، وهو بمنزلة رجل قيل له : احمل هذه الحمولة ، فثقل عليه ، فهو يجد ثقلها على فؤاده .